أحمد بن علي القلقشندي
128
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وذكر أنّ أحسن ما قصد في هذا الفنّ مسلك الإيجاز والاختصار ، وأن يسلك به مسلك الرّقاع القصار المجملة ، لا الكتب الطَّوال المفصّلة ، وأن يرجع فيما يودعه إلى قدر الشافع والمشفوع فيه ، والكاتب إذا كان مرتاضا ماهرا لم يضلّ عن تنزيل كلّ شيء [ في ] منزلته ، وترتيبه في مرتبته . قلت : ومن أحسن ما يطابق هذا النوع ما رأيته في بعض المصنّفات ، أنّ عمرو بن مسعدة وزير المأمون كتب إلى المأمون في رقعة : أما بعد ، فإنّ فلانا سألني أن أشفع له إلى أمير المؤمنين ، فأخبرته أنّي لم أبلغ عند أمير المؤمنين مبلغ الشّفاعة - فلمّا وصلت الرّقعة إلى المأمون وقّع عليها بخطَّه : قد فهمنا تصريحك به وتعريضك بنفسك ، وأجبناك إليهما وأتحفناك بهما . من كلام المتقدّمين : الحسن ( 1 ) بن سهل : كتابي إليك كتاب معتن بمن كتب له واثق بمن كتب إليه ، ولن يضيع حامله بين عناية وثقة ، والسّلام . أبو الحسين ( 2 ) بن سعد : وقد توجّه إليك فلان بقصد فيه مستجمع ، وأمل فيما قبلك منبسط ، وليس بعد إصابتك عنده موضعا وعندنا متجمّلا لليد الحسنة إلَّا افتراض ذلك منه ومنّا في أمره على يسر في حاجته ، وتخفيف من مؤونته ، فإن رأيت أن تأتي في ذلك بما يشبه أمله وظنّه ، وتوجب عليه الحقّ به ، ونشكر لك منه ما يبقى عندنا ، بأنك بحيث تأتي الفضل وتتوخّى الصّلة ، [ فعلت ] إن شاء اللَّه تعالى . آخر : معرفتي بأنك لا تتجاوز في العقوبة سبيلها من مواقع الأدب ،
--> ( 1 ) تقدمت ترجمته في الحاشية رقم 2 ص 103 من هذا الجزء . ( 2 ) انظر الحاشية رقم 1 ص 5 من هذا الجزء .